سيد محمد طنطاوي
331
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومنهم من يرى العكس . أي : أن الكلم الطيب هو الذي يرفع العمل الصالح . قال الشوكاني ما ملخصه : ومعنى : * ( والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه ) * أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب . كما قال الحسن وغيره . ووجهه أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا من العمل الصالح وقيل : إن فاعل * ( يَرْفَعُه ) * هو الكلم الطيب ، ومفعوله العمل الصالح . ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان وقيل : إن فاعل * ( يَرْفَعُه ) * ضمير يعود إلى اللَّه - تعالى - . والمعنى : أن اللَّه - تعالى - يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب ، لأن العمل يحقق الكلام . وقيل : والعمل الصالح هو الذي يرفع صاحبه . « 1 » . ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال ، أن يكون الفاعل لقوله * ( يَرْفَعُه ) * هو اللَّه - تعالى - ، وأن الضمير المنصوب عائد إلى العمل الصالح لأن اللَّه - تعالى - هو الذي يقبل الأقوال الطيبة ، وهو - سبحانه - الذي يرفع الأعمال الصالحة ويقبلها عنده من عباده المؤمنين . ثم بين - تعالى - بعد ذلك سوء عاقبة الذين يمكرون السوء فقال : * ( والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ، ومَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ) * . والمكر : التدبير المحكم . أو صرف غيرك عما يريده بحيلة . وهو مذموم إن تحرى به صاحبه الشر والسوء - كما في الآية الكريمة ، ومحمود إن تحرى به صاحبه الخير والنفع و * ( السَّيِّئاتِ ) * جمع سيئة وهي صفة لموصوف محذوف . وقوله * ( يَبُورُ ) * أي : يبطل ويفسد ، من البوار : يقال : بار المتاع بوارا إذا كسد وصار في حكم الهالك . أي : والذين يمكرون المكرات السيئات من المشركين والمنافقين وأشباههم ، لهم عذاب شديد من اللَّه - تعالى - ، ومكر أولئك الماكرين المفسدين ، مصيره إلى الفساد والخسران ، لأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله . ويدخل في هذا المكر السيئ ما فعله المشركون مع الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في دار الندوة ، حيث بيتوا قتله ، ولكن اللَّه - تعالى - نجاه من شرورهم ، كما دخل فيه غير ذلك من أقوالهم القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، ونياتهم الخبيثة . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك دليلا آخر على صحة البعث والنشور ، وعلى كمال قدرته - تعالى - فقال : * ( واللَّه خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ) * أي : خلقكم ابتداء في ضمن خلق أبيكم آدم
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 4 ص 340 .